Admin

مقاربات ديداكتيكية لتوظيف الموارد الرقمية في التدريس

21/08/2015 16:27

تميزت سنوات التسعينات بتطور ملحوظ لديداكتيك الرياضيات، خاصة مع أعمال كل من الباحثين الفرنسيين: بروسو( -92 Guy Brousseau,85)  وشوفالار( Yves Chevallard, 90-99 )، ومن جهتها، تميزت الأبحاث التربوية حول إدماج تكنولوجيا المعلومات والتواصل في تدريس الرياضيات -منذ مدة- بتفاعلها مع تطور الأدوات التكنولوجية المحفزة للتعلم وتنوع الأطر النظرية المستعملة، حيث ركزت في بدايتها على مجلوبات هذه البيئات(environnements) وسيرورة " نشأة الأدوات" ( genèse instrumentale) من طرف المتعلمين، لتنتقل لاحقا إلى دراسة دور المدرس في تسيير تلك البيئات داخل الفصل الدراسي، حيث تكون الآلة أداة للتعلم بالنسبة للتلميذ وأداة ديداكتيكية بالنسبة للمدرس (Artigue,2006).

مقاربات ديداكتيكية لتوظيف الموارد الرقمية في التدريس
مقاربات ديداكتيكية لتوظيف الموارد الرقمية في التدريس

تميزت سنوات التسعينات بتطور ملحوظ  لديداكتيك الرياضيات، خاصة مع أعمال كل من الباحثين الفرنسيين: بروسو ( -92 Guy Brousseau,85)  وشوفالار ( Yves Chevallard, 90-99 ) ، ومن جهتها، تميزت الأبحاث التربوية حول إدماج تكنولوجيا المعلومات والتواصل في تدريس الرياضيات -منذ مدة- بتفاعلها مع تطور الأدوات التكنولوجية المحفزة للتعلم وتنوع الأطر النظرية المستعملة، حيث ركزت في بدايتها على مجلوبات هذه البيئات (environnements) وسيرورة " نشأة الأدوات" ( genèse instrumentale) من طرف المتعلمين، لتنتقل لاحقا إلى دراسة دور المدرس في تسيير تلك البيئات داخل الفصل الدراسي، حيث تكون الآلة أداة للتعلم بالنسبة للتلميذ وأداة ديداكتيكية بالنسبة للمدرس (Artigue,2006).

5-1-نظرية الوضعيات الديداكتيكية لبروسو (Guy Brousseau,85)

5-1-1-الوضعيات الديداكتيكية

يندرج النشاط الرياضي (Activité mathématique) باعتباره نشاطا إنسانياً، "في سياق تنمية كفاية استعمال اللغة الرياضية "[1]، بغية تحقيق غايات نفعية وثقافية وتكوينية. فالرياضيات ليست مجموعة من طرق أساليب للحسابات يقتصر على معرفتها، بل هي معرفة تبنى كجواب على أسئلة. [2]

وفي هذا السياق يقدم لنا بروسو مفهوما مركزيا للديداكتيك، يتمثل في الوضعية الديداكتيكية، والتي يعتبرها "مجموعة من العلاقات التي يحددها العقد الديداكتيكي بشكل ظاهر أو ضمني بين التلميذ أو مجموعة من التلاميذ ووسط معين ونظام تربوي (المدرس)، تهدف جعل التلاميذ يمتلكون معرفة منظمة (مكونة) أو في طريق التكوين". فالوضعيات الديداكتيكية تستهدف تعليم وتعلم الرياضيات. وحدد بروسو سيرورة التعلم في الوضعيات الديداكتيكية، ويرى أن الوضعيات التي تساعد على بناء المعرفة هي:

  •  وضعيات الفعل: وتهدف إلى حل مشكلة معينة، وقد تكون مصدر معرفة أو معرفة علمية جديدة (savoir-faire nouveau).
  • وضعيات الصياغة: وتخصص لتبادل المعلومات بتعبير شخصــي للمتعلم.
  • وضعيات التصديق: ويتم خلالها تبرير النتائج المتوصل إليها وإثبات صلاحيتها.
  •  وضعيات المأسسة: ويحدد المدرس خلالها، العلاقات التي يمكن أن توجد بين السلوكات والإنتاجات الحرة للتلميذ والمعرفة العلمية من جهة، والمشروع الديداتيكي من جهة أخرى.

 ونشير إلى أن بروسو نمذج مفهوم الوضعية واستبدلها بـ " اللعبة الديداكتيكية" (jeu didactique) التي أرفقها بتحليل دقيق نوجزه كما يلي:

تعمل "اللعبة الديداكتيكية" على ربط علاقة بين " اللاعب الأول" (المدرس) الذي يحمل نية تدريس معرفة معينة و"اللاعب الثاني" (التلميذ)، وتهم أدوار اللعبة المنظمة من طرف المدرس أربعة شركاء هم: المدرس، التلميذ، المحيط القريب (Environnement immédiat) والوسط الثقافي. ويميز بروسو نوعين رئيسيين من أدوار المدرس في "اللعبة الديداكتيكية" هما:

  • التفويض (Devolution): وفي هذ الحالة يتفاعل التلميذ في استقلالية وحرية مع الوسط (الوضيعة المسألة) كيفما هو موجود طبيعيا أو كيفما نظم، بهدف إعطائه فرص التعلم. يتخذ التلميذ قرارات مدعمة بمعارفه السابقة، ويربط علاقات دالة بين الوضعية السابقة والحل الجديد. ويتطابق هذا النوع مع النشاط مع "وضعية أ-ديداكتيكية" (Situation @-didactique).
  • المأسســــة (Institutionnalisation): في هذه الحالة يحدد المدرس الروابط الموجودة بين السلوكات والإنتاجات الحرة للتلميذ والمعرفة العلمية وبينهما وبين المشروع الديداكتيكي، وهذا النوع يتلاءم مع " العقد الديداكتيكي ".

5-1-2-العقد الديداكتيكي (contrat didactique)

إن أهم ما يمكن استنتاجه من خلال كتابات بروسو، هو أن العقد الديداكتيكي " هو ما يحدد ظاهريا وبالخصوص بشكل خفي ما سيقوم بتدبيره كل من الأستاذ والتلاميذ"، ويبين (J.P.Astolfi) في هذا السياق "أن العقد الديداكتيكي لا ينتج عن تفاوض بين المدرس والتلاميذ كما تريده بيداغوجية العقد"، بل يفترض توضيح القواعد التي تنظم العلاقات بين المدرس والتلاميذ في موضوع معرفي محدد". ومن خلال ذلك، فإن العقد الديداكتيكي يقترن بالمعارف التي تكون موضوع تعلم، ويقترن بتدبير الزمن، ويتغير حسب تطور الوضعيات، ويحدد واجبات وحقوق كل من المدرس والتلاميذ، فيما يتعلق بالمعرفة من حيث توزيع المسؤوليات وتبيان المفاهيم والمعارف التي ينبغي اكتسابها، في إطار سيرورة تبرز تمثلات التلاميذ، وتفضي إلى تصحيحها تدريجيا وبطريقة عملية.

 كما يتبين أن للوضعيات الديداكتيكية أهمية وازنة في حصول التعلم. وعليه، فإنه ينبغي إعطاؤها ما تستحق من تفكير وتأمل لجعلها غنية ومفيدة في التعلم، وهو ما يقتضي اختيارها بدقة ودراسة متغيراتها الديداكتيكة بعمق، خصوصا فيما يتعلق منها بتنويع استراتيجيات وطرائق البحث عن الحلول، وإمكانية الحصول على حلول متعددة بطرق مختلفة، وأهمية الأخطاء وعلاقتها بالعوائق الابستمولوجية والبيداغوجية وبأخطاء التلاميذ.

فما هي العوائق؟ وما هي أنواعها؟ وما هي علاقة العائق بأخطاء التعلم؟

 5-1-3-العوائق وعلاقتها بأخطاء التلاميذ:

عرف غاستون باشلار(1938) مفهوم العائق الابستمولوجي على أنه مجموعة من التعطلات والاضطرابات التي تكون سببا في ركود وتوقف المعرفة العلمية. ترتبط هذه التعطلات والاضطرابات بفعل المعرفة ذاتها، وقدم باشلار تصنيفا للعوائق التي يرى ضرورة تجاوزها للانتقال من مرحلة الفكر قبل -العلمي (préscientifique) إلى مرحلة الفكر العلمي، نذكر منها: عائق الرأي (l’opinion)، عائق التجربة الأولى، العائق الجوهري (Substantialisme)، وعائق المعرفة الكمية وغيرها...[3]. وقدم ديرو Duroux (Petit x, 1983) خصائص للعائق وتتمثل في كونه معرفة وتصورا وليس صعوبة أو نقصا في المعرفة، لأنه يقدم إجابة في سياق معين لكنها تصبح خاطئة في سياق آخر. ونشير هنا إلى أن حبيبة البوعزاوي(1988) قدمت في أطروحتها فصلا دقيقا بين الصعوبة والعائق. كما ميز بروسو بين أربعة عوائق حسب أصولها:

  • العائق الابستمولوجي: وهو مجموع الأفكار والتصورات المسبقة أوالخاطئة، أو التي تم استبعادها مع تقدم الفكر العلمي، أو الأفكار التي ترجع إلى المعرفة العامة، والتي تؤثر في عمل العالم دون وعي منه وتعوقه عن بلوغ الحقيقة الموضوعية للظواهر التي يدرسها. (م.وقيدي)
  • العائق الأنتوجيني (ontogénétique): ناتج عن محدودية خطاطات ونماذج تلقائية تبرز بشكل طبيعي أثناء التطور.
  • العائق الديداكتيكي: معارف ناتجة عن نقل ديداكتيكي مرتبط باختيار أو مشروع تربوي.
  • العائق الثقافي: معارف مرتبطة بسياق ثقافي معين، مدروسة علميا لكنها تبقى حاملة لمعنى آخر.

وهكذا ركز كل من باشلار وبروسو على أهمية العوائق الابستمولوجية وعلاقتها بتعلم المعرفة العلمية، وتكمن هذه الأهمية في معرفة أخطاء التلاميذ وربطها بالعوائق الابستمولوجية التي تعترض الفهم. وقد أعطت أفكار باشلار وبروسو في هذا المجال بعداً عميقا لمفهوم العائق البيداغوجي، فما هو هذا العائق؟ وما هي علاقته بأخطاء التلاميذ؟

اعتماداً على الأدبيات التربوية، يمكن تعريف العائق البيداغوجي بالحاجز الذي يعذر على التلميذ اكتسابه لبعض المفاهيم والمعارف، وذلك لأسباب عديدة قد تكون ديداكتيكية. وفي هذا الصدد تعتبر مساءلة التلاميذأداة رئيسية للكشف عن سبب وقوعهم في الخطأ الذي يرتبط غالبا بتمثلات التلاميذ.

ويقول باشلار في هذا الجانب بأن "كل معرفة تمثل بالنسبة للعالم جوابا عن سؤال مطروح، ولولا وجود المشاكل والأسئلة لما وُجدت المعرفة العلمية ". بمعنى أنه لا وجود لشيء معطى أو معرفة مجانية وبديهية لأن كل المعارف تؤسس وتبنى، وهو ما يعززه Vergnioux بقوله " تتكون المعرفة اعتمادا على مشاكل للحل، أي على وضعيات نطالب بالسيطرة عليها، ولا تخرج المعرفة الرياضية عن هذه القاعدة الابستمولوجية العامة".

تنظر البيداغوجية الحديثة ومنها بيداغوجية الكفايات إلى الخطأ نظرة إيجابية وتعتبره حليفاً استراتيجيا للفعل التعلمي، وأداة ضرورية ملازمة للتعلم وبناء المعرفة. وفي هذا المجال يقول باشلار: "إننا نتعلم على أنقاض المعرفة السابقة، وذلك بتحطيم المعارف التي لم نحسن بناءها... لذلك وجب على المربين أن يعلموا التلاميذ اعتماداً على تحطيم أخطائهم، تلك الاخطاء التي تستوجب التشخيص لأنها قد تنتج عن مصدر نمائي أو ابستمولوجي أو ديداكتيكي.

5-2-النظرية الأنتربولوجية للديداكتيك، شوفالار (Yves Chevallard,1990)

5-2-1-النقل الديداكتيكي: (La transposition didactique)

يرتبط مفهوم النقل الديداكتيكي بالطرح الذي قدمه (Y.Chevallard.1990)، فالنقلة التعليمية هي مفهوم أساسي في تعليمية المواد، وتدل على العملية التي يتم بها نقل المعارف من مستوى المعارف العلمية الدقيقة إلى معرفة قابلة للتعليم والتعلم. وهي بهذا الشكل تتطلب قدرة على التحويل مما يجعلها فعلا إبداعات تعليمية حقيقية يتم ابتكارها لتلبية حاجات التعليم. وتطرأ تحولات على محتوى معرفي معين عندما يختار كمحتوى للتعليم تجعله متكيفا وقابلا لان يحتل موقعا ضمن موضوعات التعليم. والعملية التي يتم بها تحويل موضوع للمعرفة إلى موضوع للتعليم تسمى نقلا تعليميا، ويمكن تجسيد هذه العملية في الخطاطة التالية:

وهذا يدل على عمليات التحويل التي تتعرض لها المعرفة العلمية كي تصبح جاهزة للتدريس، إلا أن هذه الأخيرة بدورها تخضع لضغوطات قبل أن تصل إلى مرحلتها النهائية، وتتمثل في القيم الاجتماعية وضغوط الحياة الواقعية، ومستوى فهم المتعلمين وطبيعة استعدادهم والطبيعة الابستمولوجية للمفاهيم موضوع الدراسة، لذلك ينبغي التمييز بين مختلف أنظمة المعرفة التي تلعب دورا في هذه العملية كالمعرفة الشائعة (Savoir-quotidien) والمعرفة المهنية (Savoir professionnel) والمعرفة العلمية (Savoir savant)  والمعرفة المدرسية (Savoir enseigné) والمعرفة الثقافية (Savoir-culture ) .

انطلاقا مما سبق، فإن Chevallard يرى أن المعرفة المدرسة لا يمكن أن تكون أكثر قربا أو أكثر بعدا عن المعرفة العلمية الأكاديمية والمعرفة المألوفة: فإذا كانت قريبة جدا من المعرفة العلمية فإنها تكون غير مفهومة من طرف التلاميذ والمعلمين، وإذا كانت بعيدة جدا، فإنها تصبح متجاوزة. أما إذا كانت هذه المعرفة المدرسة قريبة جدا من المعرفة المألوفة فإن المدرسة تصبح غير ضرورية، وإذا كانت بعيدة عنها فإن التعلمات، في محتواها وفي أهدافها، لا تجد لها معنى واضحا من طرف الأولياء ويميلون إلى رفضها.

ويدل النقل الديداكتيكي على تميز المدرسة عن المجتمع وعن باقي المؤسسات الأخرى، ذلك أن المدرسة لا تدرس أبدا المعرفة العلمية الخام، بل تقدم محتوى المعرفة الموضوعة للتدريس، وبالتالي فإن النقلة التعليمية بالنسبة للمعلم هي استخراج معطى معرفي من سياقه لأجل بنائه حسب سيرورة القسم، وبهذا الشكل فإن هذه النقلة تنتج مجموعة من التأثيرات أهمها:

ü      التبسيط والنفعية،

ü       اكتشاف الحوادث والوضعيات الاصطناعية.

ويؤكد شوفالار أن جزءا هاما من النقل الديداكتيكي يتم في مؤسسات، بعيدة عن أنظار المدرس وخارج أنشطته، وبالتالي فإن "الصعوبات الرياضية التي تواجه التلاميذ ليست فقط صعوبات تعلم بالمعنى المعرفي للكلمة، بل يمكن أن ترتبط بتباين مواقف مؤسساتية تجاه المعرفة"[4].

5-2-2-البراكسيولوجيا: (praxéologie)

قدم شوفالار مقاربة أنثروبولوجية للنشاط الرياضياتي تتمحور حول أربعة مستويات كالتالي:

ü     مستوى صنف المهام (type de taches)،

ü     مستوى التقنيات: التي هي بمثابة طرق خاصة لإنجاز تلك المهمات،

ü     مستوى التكنولوجيا: وهو الخطاب الذي يسائل ويبرر التقنيات،

ü      المستوى النظري والذي يصفه بتكنولوجيا التكنولوجيا.

وهذه المستويات الأربعة تحدد مفهوم البراكسيولوجيا[5] (praxéologie)، والتي تعتبر من المفاهيم الأساسية للنظرية الأنتربولوجية للديداكتيك، وتشير إلى أن كل نشاط إنساني يتكون من قطب تطبيقي تقني مرفوق بقطب يتضمن خطابا تكنو-نظريا(techno-théorique): فالحركات المهنية (gestes professionnels) التي تميز عمل المدرس داخل فصل دراسي يمكن اعتبارها براكسيولوجيات خاصة بالمدرس، تسمح له بقيادة قسمه والتحكم فيه، إنها ممارسات صفية تساعد على إنجاز مهمات، الشيء الذي يسمح بتحليلها حسب الأبعاد التي حددها شوفالار.

وارتباطا بالموارد الرقمية، فإن التوضيحات التي تقدمها النظرية الأنتربولوجية للديداكتيك بخصوص مفهوم التقنية، تدفع إلى التفكير في العلاقات التي تقيمها المدرسة مع الأدوات التكنولوجية.

 كما تقترح هذه النظرية أدوات لتحليل الممارسات الصفية للمدرسين انطلاقا من اختبار صنفين من البراكسيولوجيات[6]، أثناء دراسة موضوع رياضي معين:

ü     التنظيم الرياضي (organisation mathématique) أو الحقيقة الرياضية التي يمكن بناؤها داخل القسم والتي تحيل على الشروط التي يفرضها الإطار المؤسساتي.

ü     التنظيم الديداكتيكي الذي يحيل على الطريقة التي ينهجها المدرس لتدبير مختلف مراحل دراسة الموضوع.

ولتوضيح ذلك نقدم في الجدول التالي مثالين من أجل تدقيق مفهوم هذه البراكسيولوجيا[7]:

ومع الانفجار الهائل للموارد الرقمية، وتنامي مبادرات المدرسين في استخدام الأداة المعلوماتية في الفصل الدراسي، مع ما يطرحه ذلك من صعوبات ديداكتيكية وتغييرات على مستوى الممارسات الصفية وطبيعة التعلمات، ظهرت مقاربة جديدة في الحقل التربوي، عرفت بالمقاربة الأداتية. فما هي أسس هذه المقاربة؟ وما هي مفاهيمها؟ ثم ما علاقتها بديداكتيك الرياضيات؟

5-3-المقاربة الأداتية (Approche instrumentale)

مع بداية التسعينات من القرن الماضي، أصبحت الأداة المعلومية شبه مألوفة في الخطب الرسمية، خصوصا تلك التي تناولت إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال في الأنظمة التربوية. وفي مقال له حول الموضوع تحت عنوان " الحاسوب في المدرسة: من الوسيلة إلى الأداة " (L’ordinateur à l’école: de l’outil à l’instrument)، يصف برويار (Eric Bruillard.1997)[8]، كيف يتطور تصور المعلوميات كوسيلة مع اختفاء المعلوميات في الثانويات في سنوات الثمانينات، حيث قدم هذا التصور المعلوميات كوسيلة بدلا من محتوى للتعلم، وهو ما يشكل قطيعة مع ما كان سائدا خلال مرحلة السبعينات. وحسب نفس الباحث، فإن المعلوميات تنتج أدوات ووسائل. وأما على المستوى التربوي فيقول: " اختزال المعلوميات كأداة في أنشطة إنتاجية محدودة دون المساس ليس فقط بعملية الإنتاج أو المعرفة المرتبطة بها، ولكن أيضا بالغاية من هذه الإنتاجات. فالمعلوميات تبقى تكنولوجيا لصنع ومحاكاة أدوات وأساليب، وهو ما عرف ب "الأداة المعلوماتية". ويختلف مفهوم الأداة هذا حسب سياقاته، وهو ما تناولته المقاربة الأداتية للباحث رابارديل (Pierre Rabardel.1995). والتي جاءت في سياق إجراء مراجعة شاملة لعلم النفس بهدف تمكينه من مساهمة حقيقية في تصميم النظم التقنية وإعادة الاعتبار لخصوصية البعد السيكولوجي في علاقة الإنسان/الآلة.

5-3-1-المقاربة الأداتية ل رابارديل (Pierre Rabardel,1995)

تتأسس المقاربة الأداتية (الآلية) على نظريتي البنائية والسوسيو-بنائية، وتندرج ضمن نظرية النشاط (l’activité)[9]. وحسب Contamines et al. (2003)[10]، فإن هذه المقاربة تنبني على ثلاثة مفاهيم أساسية:

ü     التمييز بين الأداة (instrument)/ الأداة الفنية (artefact): ترمز الأداة الفنية حسب رابارديل لكل آلة رمزية أو تقنية أحدث عليها تحويل ما من طرف الإنسان، بينما الأداة هي نتيجة لسيرورة اعتماد الأداة الفنية من طرف فرد معين في مواجهة وضعيات مقدمة، فالأداة بهذا المعنى مبناة من طرف الذات (le sujet) انطلاقا من الأداة الفنية: وظائف وضعها المصمم يتم تغييرها وأخرى يتم خلقها أثناء الاستعمال، هكذا تتضمن الأداة، أداة فنية وخطاطات للاستعمال (d’utilisations schèmes) [11]ناتجة عن بناء خاص للذات أو عن اعتماد خطاطات متواجدة سلفا (schèmes préexistants). إذن فالأداة الفنية معطى مسبق، تضفي عليه الذات أثناء الاستعمال طابع الأداة (instrument).

ü      النشأة الأداتية: (la genèseinstrumentale) تتعلق بسيرورة تكوين الأداة انطلاقا من الأداة الفنية في إطار نشاط المستعمل. هذه السيرورة موجهة نحو:

  • الذات نفسها: الاكتشاف التدريجي لخصائص الأداة الفنية من طرف الفرد المستعمل لها، يرافقه استيعاب أدوات فنية جديدة لخطاطاته، أو مواءمة تلك الخطاطات لهذه الأدوات الفنية، إنها سيرورة تعلم مرتبطة ببزوغ وتطور وتحول الخطاطات لدى الفرد، مثلا امكانات وقدرات الأداة الفنية تضبط نشاط الذات لحل مسألة معينة.  (instrumentation)
  • الأداة الفنية: من خلال تحديد وظيفتها وإغناء مميزاتها من طرف الذات التي تحدد لها وضعية أداة، إنها سيرورة تعلم ترتبط بتطوير مكونات الأداة الفنية، (instrumentalisation)[12]

ü     الحقل الأداتي للأداة الفنية (Champ instrumental d’un artefact): وهي مجموعة القيم الوظيفية والذاتية التي يمكن أن تأخذها الأداة الفنية أثناء اشتغال الذات.

5-3-2-المقاربة الأداتية وديداكتيك الرياضيات

مع بداية القرن الجديد، تم إدماج المقاربة الأداتية في ديداكتيك الرياضيات قصد دراسة عملية التعليم والتعلم التي تكون فيها الأدوات التكنولوجية وسيطا. وقد أبرز مجموعة من الباحثين أمثال (Trouche,2005) و (Pomares et Boilevin, 2009) و (Geynet, 2006)، أهمية هذه المقاربة في ديداكتيك الرياضيات، كما وظفتها (Rossana Falcade, 2002) لتحليل دور برنام Cabri Géomètre كوسيط سيميائي لتقديم منحنى دالة.

         إن إدماج الأداة المعلوماتية في الممارسات الصفية أدى إلى مراجعة الوضعيات التعليمية، وقد نتج عن ذلك تغيير في المثلث الديداكتيكي التقليدي لجون هوساي (jean Houssaye) بإضافة قطب آخر يتضمن تكنولوجيا المعلومات والاتصال ليصبح رباعي الأوجه الديداكتيكي كما هو مبين في الشكل جانبه:

تميز المقاربة الأداتية الأدوات التي تستعملها الذات لإنجاز نشاط معين، كما أنها تعرف النشاط نفسه استنادا إلى بعدين: إنتاجي وبنائي [13](dimension productive et constructive). فالمدرس مثلا أثناء نشاطه يتكون ويغير تمثلاته الشخصية بتغيير شروط ممارسته، يتعلق الأمر هنا بآثار النشاط البنائي على ذات المدرس، أما النشاط الإنتاجي فيرتبط بما يحدثه ذلك من آثار على المتعلمين. إن نشأة الأداة ليست سيرورة فردية بل لها طابع اجتماعي، لذلك استعمل تروش (Trouche,2004) مفهوم "التدبير الأدواتي" (orchestration instrumentale) ، بمعنى تنظيم نسقي إرادي يعده المدرس لتدبير بيئة معلوماتية للتعلم تستهدف حل مسألة رياضية محددة، من أجل توجيه النشأة الأداتية للمتعلمين.

5-3-3-تحليل الممارسات الصفية باستعمال المقاربة الأداتية

تهتم المقاربة الأداتية بدراسة كل نشاط منظم يوظف الأداة المعلوماتية، وهي تركز على أثر هذه الأداة على الذات المتعلمة اعتمادا على وحدة تحليلها التي تكمن في النشاط بواسطة الأداة (l’activité médiatisée par l’instrument)، من هنا تكون الشبكة الأساسية لملاحظة وقراءة نشاط المدرس هي دراسة نشأة الأداة في وضعية العمل وكذا تدبير العروض الديداكتيكية (orchestrations didactiques) التي تتطلبها.

تسمح المقاربة الأداتية حسب (2003) Trouche، بمساءلة دور المدرس في بناء أدوات العمل الرياضي من طرف المتعلمين، وملاحظة تنظيم الفصل الدراسي وأدوار كل من المدرس والتلاميذ. كما تتم دراسة نشاط المدرس من خلال السيناريوهات التي يقوم بإعدادها وتنفيذها في القسم حيث تسمح معاينة نشاط التلاميذ من تحديد ما هو معرفي وما هو وسيطي في ممارسة المدرس، أما اعتماد المتعلمين للأدوات فيتم تحليلها من خلال مفهوم النشأة الأداتية وموجهاتها. كل ذلك يتيح فهما عميقا لدور الآلة في تطور السيناريو وتقديمه من طرف المدرس الذي يتوجب عليه أن يوجه ويصاحب المتعلمين في سيرورة تحويل الأداة الفنية إلى أداة للعمل الرياضي.

خاتمة:

ينتج عن إدماج الموارد الرقمية في تدريس الرياضيات تغييرات جوهرية على مستوى الممارسة الصفية للمدرس، وقد اهتمت ديداكتيك الرياضيات بهذا الموضوع مواكبة منها للمستجدات التي تفرضها الساحة التربوية، وذلك بحثا عن فهم عميق للصعوبات التي تواجه إدماج الموارد الرقمية بغية اقتراح حلول على المدرسين لتحسين ممارساتهم. رغم أن فيليب بيرنو يرى أن مفهوم "تحليل الممارسات" لا يمكن ضبطه[14]، إلا أن مجلوبات الديداكتيك والمفاهيم التي طرحتها كل من نظرية الوضعيات الديداكتيكية والنظرية الأنتربولوجية للديداكتيك وما تلاهما من تطورات، ومختلف المقاربات البيداغوجية ومنها المقاربة الأداتية لرابارديل ، كلها أدوات نظرية يعتمدها الباحثون قصد إدراك سيرورة التحولات التي تحدث في إطار تدريس وتعلم المفاهيم الرياضية، واقتراح سبل تحسين أداء المدرسين، وهو ما يقتضي اعتبار تحليل الممارسات كمنهجية جماعية للمساعدة على التغيير في المواقف والتمثلات ، الشيء الذي لا يمكن أن يتم دون وضع الممارسة الخاصة موضع تساؤل الغير، قصد إعادة  النظر فيها وتقويمها.

[1] Vergnioux.A, 1991, « pédagogie et théorie de la connaissance», p.104

[2]Ibid. p.11

[3] Denise Grenier, «Connaissance, conception et obstacle. Exemples en mathématiques » Épistémologie et didactique des sciences, Université Joseph Fourier – Grenoble.

 [En ligne].http://clasevirtual.clavemat.org/file/download/24940 , (consulté le 13/02/2014).

[4]-Nathalie BRIANT, "Étude didactique de la reprise de l’algèbre par l’introduction de l’algorithmique au niveau de la classe de seconde du lycée français" Thèse de doctorat en Didactique des mathématiques, sous la direction de M. Alain BRONNER, Montpellier, l’école doctorale Information, structures et systèmes et de l’unité de recherche LIRDEF , 2013, 791p.

[5]Grégory Train, » Le tableau blanc interactif, un outil pour la classe de mathématiques ?»

[Enligne]. http://tel.archives-ouvertes.fr/docs/00/92/18/71/PDF/theseGTrain.pdf   (consulté le 20/01/2014)‎

[6] Éric Roditi, op.cit .p.16

[7] - Yves MATHERON, 2000, "Analyser les praxéologies. Quelques exemples d'organisations mathématiques". Petit x. Num. 54. p. 51-78.

[8]Claver Nijimbere, 2013, Approche instrumentale et didactiques : apports de Pierre Rabardel,[Enligne]. http://www.adjectif.net/spip/spip.php?article202,(consulté le 02/03/2014)

[9] L’activité du sujet comporte des composantes psychiques, corporelles et artefactuelles : elle est médiatisée par ces outils (cognitifs et matériels). La théorie de l’activité permet de penser l’activité humaine à travers un modèle systémique qui inclut en plus de la triade classique sujet, outil utilisé, objet de l’activité ; trois pôles supplémentaires que sont la communauté, les règles appliquées et la division du travail

[10] Claver Nijimbere, « Approche instrumentale et didactiques : apports de Pierre Rabardel »

[11] Les schèmes d’utilisation désignent les structures qui permettent à un individu d’organiser son action et de l’adapter aux situations qu’il rencontre dans un environnement informatisé. Ils reprennent deux propriétés essentielles des schèmes que sont l’assimilation et l’accommodation définis par Piaget.

[12]Pierre Rabardel « LES HOMMES ET LES TECHNOLOGIES une approche cognitive des instruments contemporains »,

[enligne].http:// www.ergoserv.psy.univ-paris8.fr/Site/.../ART372105503765426783.PDF  

[13] La dimension productive de l’activité renvoie au fait que le sujet poursuit des objectifs et vise à atteindre des buts, la dimension constructive correspond quant à elle au fait que dans le même temps, les sujets développent des activités à finalité constructive, orientées vers le développement des ressources et des conditions de leur activité productive.

[14]P.perrenoud, » L'analyse des pratiques en vue du transfert des réussites », [Enligne] http://www.unige.ch/fapse/SSE/teachers/perrenoud/php_main/php_1996/1996_02.html (visité le 3/11/2013)

Ajouter un commentaire